0 comments

مرّت سنة

-After Surgery-

في مثل هذا اليوم من العام المنصرم
وفي هذا الوقت تحديداً
كانت الآلام كلمة لا تفي وصف ما أشعر به
تملؤني
بل وتغمرني
من أعلى بقعة في رأسي
حتى أخمص قدميّ
نوم مفجع يشدّني لوادٍ سحيق
أخشى الإستجابة له
كيلا أفاجأ بعدم الإستيقاظ بعدها أبداً
...

في ربوع المستشفى
أنظرّ للأسرّة البيضاء
أتخيلني فوق أحدها
إلاّ أن مخيلتي تأبى الانصياع لتلك الصّورة
أكابر نفسي وأنا بالكاد أستطيع المشي
رغم التعب
رغم الألم
رغم العجز
أبتسم.. وأردد في داخلي
قد تكون هي اللحظّة الأخيرة
قد تعتقد\ـين أني أبالغ
لكني لستُ كذلك
لشدّة ما كان الألم يعتريني
لا شيء يستطيع إسكاته
وإخماد اشتعاله داخلي
حتى حبوب المسكّنات فشلت
بل وعجزت كذلك!
...

أرتدي ثوب المرض الأبيض السرمديّ
إن له رائحة تشبه الموت قليلاً
إذ أن الرقود على سرير في مستفى للأورام
للتّو أكملت ربيعي ال19 ، دون مرافقة أحد لي سوى والديّ
وصديقتي التي حضرت مؤازرة لي متأخراً
حيث أن أهلي جميعهم يستعدون لزفاف إحدى المقرّبات منا
وأنا بدوري لم أشأ أن أفسد فرحتهم بها
فلم أنطق ببنت شفة،
ولم أخبرهم بأمر مايحدث هنا معي وداخلي،
كما أن صديقاتي يقضين عطلة الرّبيع
فاستشعرت أنها أنانيّة مني لو أخبرت أحدهن بما آل إليه المسار
إذ أنهن رغماً عنيّ سيأتين لدعمي -أو هذا ما ظننتهُ على الأقلّ-
لا أستطيع تخيل أن حتى أخواتي لم يكنّ هنا لي :(
بل لم يعلمن بأني أرقد بلباس خيّل إليّ بأنه كفن،
يستدعي الموت من كلّ زواياه

على الرّغم من كل تلك التبريرات
كانت الكآبة الشديدة تعتريني وبقوةّ داخلياً
أشعر أنها تهدم وتحطم كلّ جدران الأمل التي يمكن أن تحملها
فتاة مراهقة بعمري -من المفترض أن تكون تقضي إجازتها الربيعية كسائر الفتيات-
إلاّ أني تظاهرت بالقوة،
ورسمت تلك الابتسامة على محيّاي
على الرغم من أن نظرة الوهن كانت تعتليني
ودمعاتي التي تختلس الخروج بين الفينة والأخرى
...

كان تركيب الـ(درِبْ) مؤلماً لدرجة أنه إلى يومي هذا وبعد مرور العام
كان قد خلّف أثراً شرساً على كفّي الأيسر
لا أعلم لمَ قد تكون الممرضّة بتلك القسوة
أولا يكفينا أصلاً ما يعترينا؟
أم أننّا قد اعتدنا الألم فما عاد ذلك يزيد من جرعته شيئاً؟
...

بدأ سريري بالتحرك باتجاه غرفة العمليات
أسمع خطوات أمي وأبي
شهيق أمي بدأ يتغير
وبدأت أسمع لهثها يخترق طبلة أذني
ويؤجّج مشاعري،،
أحاول التّماسك حتى آخر لحظة 
أستودعتهم الله عند باب العناية المركّزة
طلبتُ منهم السّماح والرضا عني
أرسلت برسالة نصيّة لصديقتي أخبرها عن مكان إيداعي لوصيّتي،
طلبتُ منهم جميعاً تحليلي،
قبّلتُ كفيهما،
نطقتُ بعبارات الوداع،
ثم سرقُت منهما على حين غرّة،
 فقط في تلك اللحّظة تحديداً خانتني 
كل قواي
 وبدأت عبراتي بالانهمار كالسّيل
بكل ما أوتيت من قوى!
...

أسمع همساً يحاول تهدئتي،
أحاول رفع نفسي إلا أني لا أستطيع..
يعلو فيصبحُ صوتاً،
ثمّ يحادثني قائلاً:
نحن الآن نتّجه لغرفة العمليات حيث سيتّم التخدير،
هل من شيء توديّن فعله قبل ذلك؟
وأتمنى حينها قطعة شوكولاته، إلا أنها أمنية ممنوعة
فالصّيام واجب..!
مجرّد ولوجنا الغرفة
شعرتُ أني أعيش بين زوايا حُلم مؤقّت سأنهض منه قريباً
كل مافي الغرفة أشعرني أني أعيش بطولة فيلم ستنتهي أحداثه،
على صوت تصفيق عالٍ،
يشيد بموهبتي الفذّة في التمثيل،
والقدرة على تجسيد الوهن بأشدّ صوره،
أحاول فتح عيني من هذا الحلم،
لكنّي أوقن أنيّ قد أفعل خلال زمن لا أستطيع له عدّاً،
أو حتى حصراً،
مما يعني أن العدّ التنازلي يعارض قوانين هذه اللعبة،
بل هذه الحرب!
هذا فقط إن كانت ستنتهي أصلاً،
فمن يعلم لربما ينقطع ذلك الحلم فجأة،
حين يصطدم ببوابة موت..
كلّ شيء وارد
...

قطع حبل تفكيري نداء لي يعلمني بأني سأشعر بوخز بسيط
ثم من المفترض أن أغط في سبات عميق
ما إن أصحى منه إلا وكل شيء يكون قد انتهى حينها
لكن المفاجأة الكبرى،
 والطّامة العُظمى
أني لم ألج ذاك السبات،
لخطأ ما في حساب الكمية المناسبة من المخدّر!!
بقيت يقظة طوال ذلك الوقت
أشعر ببعض مايجري
وأستشعر الحركات
والكلمات،
الطلبات،
والتعليقات!!
الشهقات،
والزفرات!
كما أنيّ أشتم رائحة الدّماء بقوة
لآني حساسة لها واستطيع تمييزها ولو صغرت
كمّيتها..!
...

أصبّر نفسي كلّما وعيت على وعيّ،
وأذكّرها بعظيم فضل الجنّة
وأن الإنسان مُبتلى
وما الدّنيا إلا دار بوار
و....
لكنّ
يأبى جسدي إلا أن يخذلني بنحيب متواصل
يقشعر له بدني كلّه
من ألم شديد لم أذقه طوال عمري
بتخيل أن تجرى عملية جراحية لإزالة جزء يسكن جسدك
بمخدّر موضعيّ
تعيش أحداث مايجري لك فيه أثناءها كاملاً :|
،،
يحاول الجرّاح ممازحتي قائلاً بأنه لا يجد سبباً مقنعاً لنحيبي المستمرّ،
مع قهقهة سخيفة تهتزّ لها أرجاء الغرفة،
وأسمع صداها عبر أدوات القطع والنحر!!
أطلق الكثير من الكلمات،
والعبارات،
لكنّي لم أكن أفقه من أمري شيئاً،
سوى ألم لايمكن وصفه إلا بمجنون،
يأسر كلّ خلية فيّ،
يعدني سماحته بسرعة الإنتهاء،
وحاول هو وزميله أنذا تلطيف الآجواء وشغلي عن التركيز فيما يقوم به،
إلا أني لا أتمكن من الردّ عليه بسبب البكاء الذّي لم أستطع التحّكم به آنذاك
وأنا التي عهدت على عدم البكاء أمام أحد ما..
تأبى الثواني إلا التمخطر بكلّ بطئ،
كالسلحفاة،
بل أسوأ وأمرّ!
...
يتبعـ،،


اليوم
وفي ذكرى السّنة لذلك اليوم
الذي ماكان سوى بداية رحلة الكفاح والنضال
لرحلة علاج وحرب مع السّرطان
تكللّت بالنجاح -فلله الحمد أوّلاً وآخراً-
أشكر المولى على أن أعاد لي صحتي
وأمدني بأيام أطول
كي أمارس شكر النّعم 
وأن أعمل المزيد من الصّالحات
فليس أروع من أن نمنح فرصة الحياة مرتّين..

الحمدلله 
read more